استكمالاً لما سبقه من سلسلة التعليق على بعض مواد مشروع قانون الأسرة، في محاولة لفت النظر لنصوص قد تجعل الأسرة المصرية تدخل مرحلة جديدة من الخلافات والنزاعات أمام المحاكم بشكل مختلف عما سبق في القضايا العائلية المتعارف عليها.
من بينها المادة (47) والتي جاء نصها كما قال القانون "منقولات الزوجية هي كل ما يعد به مسكن الزوجية من اثاث وفراش وادوات عند زفاف الزوجة الى زوجها وهو ملك خاص للزوجة ما لم يتم الاتفاق على خلاف ذلك وقت كتابة العقد ويجوز ارفاق صورة من قائمة المنقولات بملحق عقد الزواج، وللزوجة الحق في طلب استرداد منقولات الزوجية المملوكة لها ولو حال قيام الزوجة، كما لها الحق في المطالبة بقيمته حال هلاكه او تعذر استرداده دون سبب راجع اليها، وتقدر هذه القيمة وقت المطالبة به، ويسقط هذا الحق حال هلاك اعيان الجهاز لسبب لا يرجع الى فعل الزوج ولا يد له فيه"
تنقسم هذه المادة إلى جزئين، الأول يتعلق بملكية الزوجة لكل منقولات منزل الزوجية من أثاث وفراش وأدوات. القاعدة الشرعية أن الزوج هو ملزم بإعداد منزل الزوجية قدر سعته وملاءته المالية وهو ما يوافق عليه أهل الزوجة ووليها وقبلوا به بحالته التي وعد بها. ولكن جرى العرف في مصر على أن الزوجة تشارك في تجهيز منزل الزوجية نظراً للظروف الاقتصادية والتي لا تمكن الشاب في مقتبل حياته أن يتحمل كافة تكاليف الزواج ومن أهمها إعداد منزل الزوجية. ولذلك يتم كتابة قائمة بالمنقولات التي اشترتها الزوجة وساهمت بها في منزل الزوجية خاصة لو كانت هذه المنقولات هي من قيمة المهر الذي قبضته الزوجة، وبالتالي فإن هذه المنقولات هي ملكية خاصة لها، وهنا تكتب قائمة بالمنقولات التي اشترتها الزوجة وترفق بوثيقة الزواج لإثباتها. أما القول بأن كامل موجودات منزل الزوجية هي ملكية خالصة لها، فقد ينتج عن هذا النص عزوف الشباب عن الزواج أو أنه عند الزواج فلن يقوم بتجهيز منزل الزوجية كما يجب نظراً لأنه يعلم مسبقاً أن كل ما يشتريه لتجهيز منزل الزوجية هو ملكاً خالصاً لها. والأهم من هذا وذاك ماذا لو تم تجديد منزل الزوجية بأثاث جديد بعد سنوات من الزواج؟؟ وماذا سيكون الموقف؟ هل الزوجة تحاسبه على الأثاث القديم أم الجديد خاصة وأن نص هذه المادة قد ألزم الزوج بإرفاق قائمة المنقولات الزوجية بوثيقة عقد الزواج. فهل عندما يتم استبدال الأثاث تكتب وثيقة جديدة وتلحقها بوثيقة الزواج مرة أخري؟؟ كل هذه تساؤلات كان يتعين على المشرع توضيحها في ذات المادة لإزالة اللبس أو الغموض الذي شاب النص.
فما جاء في هذا الجزء من النص ينافي الواقع تماماً وسوف يتسبب في الكثير من الخلافات، وسوف تواجه المحاكم نوعاً جديداً من القضايا. إن المشرع عند صياغته لهذا النص اعتبر أن الطلاق سوف يتم في الخمس سنوات الأولى من الزواج، ولم يضع في الحسبان عمر الزواج الذي قد يستمر عشرون عاماً أو أكثر. وكان يتعين على المشرع أن يضع نصاً منصفاً لكلا الطرفين وأن يحفظ للزوجة حياة كريمة حالة طلاقها بعد سنوات طويلة من الزواج. واستثناءً حالة لو طلقها الزوج بإرادته المنفردة وبدون طلب منها - لذلك هنا عليه أن يترك لها أثاث منزل الزوجية بكل ما فيه وبحالته وقت وقوع الطلاق ضماناً لحياة كريمة لها بعد الطلاق. أما في حالة أن وافق الزوج على أن تكون كافة موجودات البيت من حقها وبرضاه فلا بأس في ذلك بدون إلزام أو إجبار حتى تكون هناك مرونة في الزواج لضمان أن يتم بنجاح.
وأما عن الجزء الثاني من ذات المادة والذي يتعلق بحق الزوجة في طلب استرداد المنقولات المملوكة لها سواء أثناء قيام الزوجية أو المطالبة بقيمتها حال هلاكها وإذا تعذر دون سبب راجع إليها... الخ. مفهوم النص واضح من ظاهره، وما يثيره هذا النص من خلافات وتساؤلات أيضاً، كيف للزوجة أن تطالب باسترداد أثاث المنزل الذي اشتراه الزوج من ماله الخاص؟ وأثناء قيام علاقة الزوجية هل يصبح الزوج مهدداً في أي يوم أن زوجته تطالبه بأخذ منقولات المنزل أو يسدد لها قيمتها وقت المطالبة؟؟ وما هو الحال إذا تعذر عليه أن يردها لها ؟؟ هل يعني ذلك أن الزوج إذا تسبب وبدون قصد في تلف جزء من الأثاث أن تطالبه بقيمة الأثاث التالف؟؟ وكيف يتم تحديد مسؤولية المتسبب في الوقت الذي يستعمل الأثاث من قبل الزوجين معاً ؟؟ وماذا عن استخدام الأطفال مستقبلاً لهذا الأثاث وتسببهم في إتلافه ؟؟ وهذا أمر طبيعي فكل ما هو مستخدم لا بد أن يتلف بالاستخدام، فهل يدفع الزوج ثمن هذا الاستخدام؟؟ إن إثبات المتسبب في الإتلاف أو هلاك الأثاث أو جزء منه يعد أمراً كافياً لإثارة نوع جديد من مشاكل الأسرة.
لابد أن يهيئ المشرع حياة هادئة مستقرة للأسرة ويحاول أن يقلص أسباب المشاكل وأن يجد حلولاً للإشكاليات التي تواجه الأسرة في المحاكم. ...ويجب أن يراعى الجانب النفسي والاجتماعي وما جرى عليه العرف في المجتمع المصري العربي الشرقي، ولا أن يُمكّن أحد الأزواج من تسليط سيفه في مواجهة الطرف الأخر. إن الحفاظ على حقوق كلا الزوجين بالتوازن والتوازي بينهما لهو أمر هام لاستقامة الأسرة. لا شك أن المرأة هي الطرف الضعيف في العلاقة الزوجية وحفظ حقوقها لهو أمر ضروري حيث منحها الله تلك الحقوق. ولذلك يمكن للمشرع أن يضمن للزوجة أموراً تحفظ لها حياة كريمة حالة طلاقها بعد سنوات طويلة من الزواج حيث تكون الزوجة قد كبرت في العمر وأبناؤها يكونوا قد أكملوا دراستهم وانعدمت لديها فرص الزواج مرة أخرى. وقد يطلقها الزوج لأي أسباب ترجع إليه هو شخصياً، فعليه أن يعوضها بما يضمن لها حياة كريمة بذات المستوى الذي كانت تعيش فيه أثناء قيام علاقة الزوجية بينهما. وأن يشمل التعويض سكن فردي مؤثث بذات المستوى وهذا ما يعتمده الفقه، مع الوضع في الاعتبار تطور الزمن وتبدل وتغير الأحوال كل يوم، وهو ما لا تستطيع الزوجة بعد عمر أفنته في تلك العلاقة أن تستقيم حياتها بصورة إنسانية تضمن لها حياة كريمة بعد الطلاق الذي لم تطلبه. فأقل تعويض يتمثل في قدر نفقة المتعة بعد العمر والعشرة الطويلة وما قدمته لتلك العلاقة من بناء واستقرار وتربية أبناء خاصة لو كانت تركت عملها من أجل هذه الاسرة أو لم يكن لها دخل خاص يساعدها في المتبقي من حياتها. أتمني على المشرع أن يعيد النص لتلك المادة مراعياً ما سبق عرضه .
بقلم الدكتورة: منى طه عامر
أستاذ القانون المدني
المحكم الدولي
المحامية بالنقض